ابن كثير

426

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال عبد الرزاق : حدثنا معمر عن سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة في قوله : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ الآية ، قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، نحن أول الناس دخولا الجنة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، فهدانا اللّه لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا اللّه له ، فالناس لنا فيه تبع فغدا لليهود وبعد غد للنصارى » ثم رواه عبد الرزاق عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . وقال ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه في قوله فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ فاختلفوا في يوم الجمعة ، فاتخذ اليهود يوم السبت ، والنصارى يوم الأحد ، فهدى اللّه أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى اللّه أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة ، فمنهم من يركع ولا يسجد ، ومنهم من يسجد ولا يركع ، ومنهم من يصلي وهو يتكلم ، ومنهم من يصلي وهو يمشي ، فهدى اللّه أمة محمد للحق من ذلك ، واختلفوا في الصيام ، فمنهم من يصوم بعض النهار ، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام ، فهدى اللّه أمة محمد للحق من ذلك . واختلفوا في إبراهيم عليه السلام ، فقالت اليهود : كان يهوديا ، وقالت : النصارى كان نصرانيا ، وجعله اللّه حنيفا مسلما ، فهدى اللّه أمة محمد للحق من ذلك . واختلفوا في عيسى عليه السلام ، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانا عظيما ، وجعلته النصارى إلها وولدا ، وجعله اللّه روحه وكلمته ، فهدى اللّه أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للحق من ذلك . وقال الربيع بن أنس في قوله فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ أي عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف ، أقاموا على الإخلاص للّه عز وجل وحده ، وعبادته لا شريك له ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون ، أن رسلهم قد بلغوهم ، وأنهم قد كذبوا رسلهم . وفي قراءة أبي بن كعب : « وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم » . وكان أبو العالية يقول في هذه الآية : المخرج من الشبهات والضلالات والفتن . وقوله بِإِذْنِهِ أي بعلمه بهم وبما هداهم له ، قاله ابن جرير وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي من خلقه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي وله الحكمة والحجة البالغة ، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول : « اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » وفي